أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
354
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
أحدهما : أنه الجملة الفعلية من قوله : « يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ » . والثاني : الجملة الإسمية من قوله : « أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ » ذكر ذلك أبو البقاء ، وفيه ضعف ، بل منع ، كيف يجعل « يَأْمُرُهُمْ » خبرا ، وهو من تتمة وصف الرسول - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - أو على أنه معمول للوجدان عند بعضهم ، كما سيأتي التنبيه عليه ، وكيف يجعل « أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ » خبرا لهذا الموصل ؟ والموصول الثاني وهو قوله : « فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ » يطلبه خبرا ، لا يتبادر الذهن إلى غيره ، ولو تبادر لم يكن معتبرا . قوله : « الْأُمِّيَّ » العامة على ضم الهمزة ، نسبة إمّا إلى « الأمّة » ، وهي أمّة العرب ، وذلك لأن العرب لا تحسب ولا تكتب ، ومنه الحديث : « إنّا أمّة أمية لا نكتب ولا نحسب « 1 » . وإما نسبة إلى « الأمّ » وهو مصدر : أمّ يؤمّ ، أي : قصد يقصد ، والمعنى على هذا أن هذا النبي الكريم مقصود لكل أحد ، وفيه نظر . لأنه كان ينبغي أن يقال : الأمّيّ بفتح الهمزة ، وقد يقال : إنه من تغيير النسب ، وسيأتي أن هذه قراءة لبعضهم . وإمّا نسبة إلى « أمّ القرى » وهي مكة . وإمّا نسبة إلى « الأمّ » كأن الذي لا يقرأ ، ولا يكتب على حالة ولادته من أمه . وقرأ يعقوب « الأمّيّ » بفتح الهمزة ، وخرجها بعضهم « 2 » على أنه من تغيير النسب ، كما قالوا في النسب إلى « أميّة » : أمويّ ، وخرجها بعضهم على أنها نسبة إلى « الأمّ » ، وهو القصد ، أي : الذي هو على القصد والسداد ، وقد تقدم ذكر ذلك أيضا في القراءة الشهيرة ، فقد تحصّل أن كلّا من القراءتين يحتمل أن تكون مغيرة من الأخرى . قوله : « يَجِدُونَهُ » الظاهر أن هذه متعدية لواحد ، لأنها اللّقية ، والتقدير : يلقونه ، أي : يلقون اسمه ونعته مكتوبا ، لأنه بمعنى : « وجدان الضالة » ، فيكون « مَكْتُوباً » حالا من الهاء في « يَجِدُونَهُ » . وقال أبو علي : « إنها متعدية لاثنين ، أولهما : الهاء ، والثاني : « مَكْتُوباً » ، قال : ولا بدّ من حذف هذا المضاف - أعني قوله : ذكره ، أو اسمه - قال سيبويه : « تقول - إذا نظرت في هذا الكتاب - : هذا عمرو ، وإنما المعنى : هذا اسم عمرو ، وهذا ذكر عمرو ، قال « 3 » : « وهذا يجوز على سعة الكلام » . قوله : عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ هذا الظرف وعديله كلاهما متعلق ب « يسجدون » ، ويجوز - وهو الظاهر - أن يتعلقا ب « مَكْتُوباً » أي : كتب اسمه ونعته عندهم في توراتهم وإنجيلهم . قوله : « يَأْمُرُهُمْ » فيه ستة أوجه : أحدها : أنه مستأنف ، فلا محل له حينئذ ، وهو قول الزجاج . والثاني : أنه خبر للذين . قال أبو البقاء : « وقد ذكر » . قلت : وقد ذكر ما فيه ثمّة . الثالث : أنه منصوب على الحال من الهاء في « يَجِدُونَهُ » ، ولا بدّ من التجوز في ذلك ، بأن تجعل حالا مقدرة . وقد منع أبو علي أن يكون حالا من هذا الضمير ، قال : « لأن الضمير للاسم والذكر ، والذكر والاسم لا يأمران » . يعني أن الكلام على حذف مضاف ، كما مر ، فإن تقديره : يجدون اسمه ، أو ذكره ، والذكر أو الاسم لا يأمران ، إنما يأمر المذكور والمسمّى . الرابع : أنه حال من « النَّبِيَّ » . الخامس : أنه حال من الضمير المستكن في « مَكْتُوباً » .
--> ( 1 ) أخرجه البخاري ( 4 / 126 ) ، كتاب الصوم ( 1614 ) ، ومسلم ( 2 / 761 ) ، كتاب الصيام باب وجوب صوم رمضان لرؤية الهلال ( 15 - 1080 ) . ( 2 ) انظر البحر المحيط ( 4 / 403 ) . ( 3 ) انظر البحر المحيط ( 4 / 403 ) .